لمعات الأدلة في اختلاف الأهلة

14 min readFatwa Vol 3 #177Arabic

Question

لمعات الأدلة في اختلاف الأهلة

Answer

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الأهلة مواقيت للناس والحج، وإيفاء المواعيد، وقدر في عقبها الابتهاج بالفرح والعيد، نحمده على ما أولانا الدين الأبيض النقي الصافي الحميد، ونقي أرواحنا وأجسادنا بحلية العبادة والتوحيد، ثم نشكره على ما أنشأ فينا العلماء الكبار الذين نشروا ألوية العلم، وحاربوا الشيطان اللعين المريد.
والصلاة والسلام على أفضل الرسل وخاتم الأنبياء السيد الرؤف الرحيم، الفرد الفريد، الذي أخرجنا من ورطة المهالك، وظلمات الوهم إلى أنوار الشرع السديد، وعلى آله وأصحابه الذين هم نجوم الهداية، وكواكب الكرامة، كل منهم كالدر النضيد، عن المعائب والنقائص بعيد، وعلى الأئمة المجتهدين، والفقهاء الذين بذلوا جهدهم في استنباط المسائل في العهد القديم والجديد، لا سيما على أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، فهؤلاء أئمتنا وهم أولى بالإمامة، ونحن أحق بالتقليد. أما بعد:
فقد سرني أن توجهت العلماء الكبار والمشايخ العظام من إفريقيا الجنوبية إلى حل المعضلة التي تكاد أن تفرق عصا المسلمين في هذه المنطقة، المنبتة للذهب والدر، وتشتت شملهم، وتفرق جمعهم، وقد بذلوا جهدهم في هذا الصدد، وكيف لا، وقد رزقهم الله علماً وفهماً وصلاحاً وتقوي لا عصبية فيهم ولا عناد، فأشكر الجمعيات الثلاث، جمعية كيب تاؤن، ونتال، وترانسؤال، باحتفالهم في هذه الحفلة المباركة لتحقيق مسألة رؤية الهلال وتوجيه عنان أفكارهم إلى تسديد أمور المسلمين وإصلاح أحوالهم، ولقد فرحت فرح الصبيان بالعيد، بأن رأيت بعينيّ وأبصرت بكريمتيّ، خضوع العوام للعلماء ههنا والإجابة لقولهم ودعوتهم، والرضاء بحكمهم وقضاء هم، فمن كرم الله تعالى ومنّه
ٖ
أن وضع زمام أمور العوام ههنا في أيدي العلماء، فيجب الشكر علي هذه النعمة الكبرى، فنسأل الله تعالى أن يوفق علماء هذه المنطقة للأقضية الصحيحة. اللهمّ اجعلهم نجوماً لامعة، وأقماراً بازغة، وشموساً ساطعة، وبارك في مساعيهم الجميلة.
وقبل أن أبدأ بالمقصود، أريد أن أنبه على أن الا تحاد والا تفاق بين مسلمي مملكة ودولة واحدة، ورفع النزاع والخصومة فيما بينهم، من أهم الأمور، فينبغي للعلماء النحارير، وأرباب القلوب الصافية، أن لا ينشئوا الاختلاف الجديد، ويعملوا على الطريقة القديمة، والسنة الجارية إلى الآن، وهي اعتبار رؤية بلاد هذه المنطقة، دون التعويل على البلاد النائية البعيدة، والآن أبدأ فيما أقصد، وعلي الله التوفيق، ومنه الاستعانة.
وأقسم المطلوب في ثلاث لمعات: ــ
اللمعة الأولى: ـــ في أقوال السادات الشافعية في اختلاف المطالع، فقد صرح أساطين المذهب الشافعي وكباره بأن الصحيح عندهم أن اختلاف المطالع معتبر في أحكام الصوم والفطر وسائر الأحكام، قال الإمام النووي الشافعي رحمه الله ذلك الحبر الكبير والعالم النحرير الذي له منة على رقاب الشوافع في شرح المسلم، ما نصه:
"الصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة وقيل إن اتفق المطلع لزمهم وقيل إن اتفق الإقليم وإلا، فلا". (شرح النووي للصحيح المسلم: ۱/۳٤۸، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم).
هذه العبارة تنادي بأعلى صوت بأن الصحيح عند الشافعية أن الرؤية لا تعم الناس بل تلزم رؤية أهل بلدة على بلدة بعيدة وما يقابل الصحيح يكون خطأ فعلم أن رواية أبي الطيب من الشوافع من عدم اعتبار اختلاف المطالع لا يعبأ بها ولا يعتد.
وقال حافظ الدنيا محمد علي ابن حجر الشافعي العسقلاني رحمه الله إمام دراية الحديث وروايته في كتابه الشهير بـ "فتح الباري في شرح الصحيح البخاري" ما لفظه:
"وقد اختلف العلماء في ذلك علي مذاهب، أحدها لا هل كل بلد رؤيتهم وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه ما يشهد له وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحٰق وحكاه الترمذي رحمه الله عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الم اور دي وجهاً للشافعية، ثانيها: مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية لكن حكي ابن عبد البر الإجماع على خلافه وقال: أجمع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس

وبعد هذه السطور

وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر. (فتح الباري: ٤/۱۲۳، باب قول النبي ﷺ "إذا رأيتم الهلال فصوموا" )
يفيد هذا الكلام المذهب أمرين: الأوّل: أن اعتبار اختلاف المطالع مذهب أكثر الشافعية. والثاني: أن اختلاف العلماء فيما لم تبعد البلدتان بعداً كبيراً فإن بعدتا بعداً كثيراً كخراسان والأندلس فقد حكى فيه ابن عبد البر رحمه الله الإجماع على اعتبار اختلاف المطالع، ورؤية كل بلدة لا هلها ولاريب أن البعد والمسافة فيما بين إفريقيا الجنوبية والسعودية أكثر مما بين خراسان (وهي من بلاد إيران) والأندلس (وهي الآن تسمى إسپين) فكيف ينبغي في ضوء ماحكينا عن ابن حجر رحمه الله اتفاق الأعياد فيما بيننا وبين العربية السعودية.
وقال ابن عابدين الشامي الحنفي رحمه الله في رسالة مفردة له في هذا الموضوع: وما اختاره من اعتبار اختلاف المطالع هو المعتمد عند الشافعية على ما صححه الإمام النووي رحمه الله في المنهاج عملاً بالحديث المذكور. (رسائل ابن عابدين: ۲۵۱، الرسالة التاسعة، سهيل).
واعتبار اختلاف المطالع مذكور في أكثر كتب الشافعية كالمبسوط: (ص ۳۰۵، حيدر آباد).
اللمعة الثانية: في غرر النقول عن السادات الحنفية حفظهم الله ورعاهم أكثر علماء الأحناف لا يعتبرون اختلاف المطالع، ولكن كثير منهم يعتبرونه ويعدونه أشبه بحسب الدليل ويحسبونه أبين برهاناً وحجة. وقد مضى أن ابن عبد البر ينادي بأعلى صوت أن البلدتين البعيد تين اللتين بينهما بعد كبير يعتبر فيهما اختلاف المطالع بالإجماع. وقال الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني رحمه الله الحنفي في "بدائع الصنائع": هذا إذا كانت المسافة بين البلدتين قريبة لا تختلف فيها المطالع فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدتين حكم الآخر لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر أهل كل بلد مطالع بلدهم دون الآخر. (بدائع الصنائع: ۲/۸۳، سعيد).
وفي فتاوى دار العلوم ديوبند حكاية عن التاتارخانية: أهل بلدة إذا رأوا الهلال هل يلزم في حق كل بلدة اختلفوا فيه فبعضهم قالوا: لا يلزم فإنما المعتبر في حق أهل بلدة رؤيتهم وفي الخانية لا عبرة باختلاف المطالع قال القدوري رحمه الله: إذا كان بين البلدتين (بعد) لا يختلف به المطالع يلزم وذكر الحلواني رحمه الله: أنه الصحيح من مذهب أصحابنا. (فتاوى دار العلوم ديوبند: ٦/۳٦۳، مدلل ومكمل).
وحكي فيه أيضاً عن مختار النوازل: أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوماً بالرؤية وأهل بلدة أخرى صاموا ثلاثين بالرؤية، فعلي الأوّل قضاء يوم إذا لم يختلف المطالع بينهما أما إذا اختلف لا يجب القضاء. (فتاوى دار العلوم: ٦/۳٦۳، مدلل ومكمل).
وقال الملا علي القاري الحنفي رحمه الله في شرح النقاية: والأشبه من حيث الدليل هو الاعتبار باختلافها كما في دخول وقت الصلاة لأن السبب شهود الشهر فإذا انعقدت الرؤية في حق قوم لا يلزم أن ينعقد في حق غيرهم مع اختلاف المطالع كما لو زالت الشمس أو غربت علي قوم دون آخرين يجب الظهر أو المغرب على الأولين دون أولٰئك لعدم انعقاد السبب في حقهم واختار صاحب التجريد وغيره من المشايخ اعتبار اختلاف المطالع كما روى الجماعة إلا البخاري رحمه الله من حديث كريب رضي الله عنه أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال: قدمت الشام وقضيت حاجتها واستهل عليها رمضان وأناْ بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس رضي الله عنه قال: متى رأيتم الهلال قلت: ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته قلت: نعم، ورآه الناس فصاموا وصام معاوية رضي الله عنه فقال: لكن رأينا ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه أي الهلال فقلت: أوَ لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ.
(شرح النقاية: ۱/٤۱۲، كتاب الصوم، سعيد).
وفي تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للمحدث الزيلعي رحمه الله: والأشبه أن يعتبر (اختلاف المطالع) لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم منه أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر قوم وطلوع شمس لا خرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم. روي أن أبا موسي الضرير الفقيه صاحب المختصر قدم الأسكندرية فسئل عمن صعد على منارة الأسكندرية فيري الشمس بزمان طويل بعد ما غربت عندهم في البلد أيحل له أن يفطر فقال: لا يحل لا هل البلد لأن كلاً مخاطب بما عنده والدليل على اعتبار اختلاف المطالع ما روي عن كريب رضي الله عنه الخ. (تبيين الحقائق: ۱/۳۲۱)
وقد حقق هيئة كبار علماء المملكة العربية السعودية حفظهم الله ورعاهم فقالوا: وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرناً لا نعلم منها فترة جري فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه وعدم إثارة هذا الموضوع وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علماءها من الرائين المشار إليها في المسألة إذ لكل منها أدلة ومستنداته نقلاً عن تحرير هيئة العلماء الكبار للسعودية.
ونوافق أصحاب الفتوى هذه بأن لا تثار هذه القضية ههنا ويبقي الأمر على ما كان في السنوات الماضية من اعتماد هذه الدولة برؤيتها دون الاستشراف إلى دول بعيدة أخري.
اللمعة الثالثة: ــ قد تحقق مما مضي أن الشافعية بأسرهم، وجمعاً كبيراً من الحنفية يعتبرون اختلاف المطالع، لكن قد يخطر ببال بعض العلماء أن بعض الشوافع وكثيراً من الحنفية لا يعتبرون اختلاف المطالع فلم لا يفتى بقولهم ولم لا يعتبر العيد واحداً موافقاً بالسعودية؟ ولم لا يقبل الا تحاد بالمركز الإسلامي؟
فالتحقيق في هذا الصدد عند الفقير تراب أقدام العلماء أن الأحناف الذين لا يعتمدون على اختلاف المطالع يشترطون لتوحيد العيد وتوفيقه وإجراء ه في جميع البلاد أحد شروط ثلاثة لا توجد فيما نحن فيه عند الأحناف وهي هذه: إما أن يتحمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضي أو يستفيض الخبر والظاهر أن هذه الشرائط لا توجد في أكثر المواضع إما عدم وجود الشرطين الأولين أعني تحمل الشهادة أو الشهادة على حكم القاضي فانتفاء ه ظاهر إذ لا يشهد على شهادة الشاهدين شاهدان ههنا ولا يشهد الشهود ههنا علي حكم القاضي السعودي واستفاضة الخبر أيضاً مشكوكة إذ لا يستفيض الخبر من السعودية في مواقع كثيرة ولو سلمنا استفاضة الخبر وشهرته في بعض المواقع فلا نظن أن قضاة السعودية يراعون المذهب الأخر، فإن مذهب الأحناف أن الشهود يجب أن يكونوا عدولاً وأن المطلع إن كان صافياً والسماء مصحية والأفق مضيئاً فيشترط الجمع العظيم الذي يحصل اليقين بخبرهم.
قال القاري رحمه الله في شرح النقاية بعد ما أوضح: أن العدل الواحد قناً كان أو حراً يكفي في الصوم إذا كانت السماء متغيمة وشرط مع غيم للفطر نصاب الشهادة وهو رجلان أو رجل وامرأتان ثم قال: وبلا غيم ونحوه شرط جمع عظيم أي في الصوم والفطر لأن انفراد الجمع القليل بالرؤية يوجب ظن غلطهم فيوجب التوقف فيه حتى يكون جمعاً كثيراً.
(شرح النقاية: ۱/٤۱۱، كتاب الصوم، سعيد).
ثم قال والجمع العظيم قيل أهل محله، وعن أبي يوسف رحمه الله خمسون رجلاً كالقسامة، وعن محمد رحمه الله أنه قدر ما يحصل للإمام العلم بخبرهم. (شرح النقاية: ۱/٤۱۱، كتاب الصوم، سعيد).
لكن شاهد كثير من الناس هناك أن المطلع كان صافياً والسماء مصحية وأذيع الخبر بالراديو ولم يري الهلال الجمع العظيم.
وأما أمر الحج وسائر العبادات للمقيمين هناك فيفعلونها تبعاً لمطلعهم وبلدهم ولذلك عباداتهم صحيحة.
وأخيراً لا آخراً أقول من غير لومة لائم: أن علماء إفريقيا الجنوبية ومشائخها أشجعاء مجترعون يصدعون بالحق، ولا يخافون بالله لومة لا ئم، لا يمنعهم، ولا يردعهم من إظهار الحق أية حكومة، ولا أية قوة، عندهم قوة فصل الخصومات والأقضية، لا يخدعون ولا يخدعون، يميزون القطمير من النقير، والغث من السمين، قد صرفوا أعمارهم في خدمة الدين، لهم علم غزير، وفهم دقيق، وإلمام تام باللغات المختلفة، التقوى دثارهم، والتدين شعارهم، يحيطون بجوانب المسائل وأطرافها، يعرفون شروط المسائل وآدابها، نداء الحق في سوداء قلوبهم، وصياح الباطل قذاء أعينهم، فكيف يريد بعضهم أن يعتمدوا على الدول البعيدة في مثل هذه المسألة المهمة، فهل يستخفون بآلاء الله تعالى التي منحها إياهم؟ وهل توجد هذه الصفات في غيرهم؟ كلا ثم كلا.
فالمرجو من المشايخ العظام، وأرباب الفتوى والقضاء، أن يمشوا على سنتهم القديمة ولا يلتفتوا إلى أي نداء مثل هذا النداء. وعلى الله التوفيق والاعتماد. والله تعالى أعلم. وصلي الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه (الشيخ المفتي) رضاء الحق عفا الله عنه
دار الإفتاء، دار العلوم زكريا، لينيشيا
إفريقيا الجنوبية.

Questions about this ruling, answered only from the archive with sources.

Where scholars differ, it’s safer to take the more cautious view.

Fatawa SA is an independent, read-only index of fatawa already published by Darul Iftaa, Darul Uloom Zakariyya. It is not a fatwa service. For your own situation, please ask a Mufti. Report an issue

For corrections or mistakes, please email us at fatawasa786@gmail.com.